في عالم تتشابك فيه الصراعات وتتجاوز تداعياتها حدود الدول، يطرح باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي لصحيفة «الجارديان»، تساؤلًا جوهريًا حول قدرة الدبلوماسية على استعادة زمام المبادرة، في ظل الفوضى والحروب التي أشعلتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلبة، وما تثيره من مخاوف متزايدة لدى دول العالم من مخاطر استبعادها وإساءة التعامل معها من جانب واشنطن.


وفي مقال نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، يرى وينتور أن العالم لم يشهد من قبل هذا القدر من الترابط، إذ باتت التطورات في دوائر صنع القرار المغلقة بطهران، وجبال جنوب غرب اليمن، وسهوب دونباس، وقطاع غزة الذي لا تزال الدماء تسيل فيه، وحتى شوارع باريس وميلانو، حلقات متصلة في مشهد دولي واحد. ويؤكد أن فهم أي صراع بات يتطلب وضعه في سياق الصراعات الأخرى، وهو ما يجعل الأزمات أكثر قابلية للانتشار والتعقيد وصعوبة الحل، ويدفع العالم إلى العيش كما لو كان داخل قدر ضغط يوشك على الانفجار.


ويشير الكاتب إلى أن العالم يبدو، في كل ليلة، وكأنه بلغ قاعًا جماعيًا جديدًا، قبل أن يستيقظ في الصباح على أزمة أشد وطأة. وفي عصر يسوده انعدام التعاون وتراجع الالتزام بالقانون، يؤدي اشتراط حل أزمة قبل التعامل مع أخرى إلى شلل جماعي، لا سيما في ظل الغياب التام لقيادة عالمية واضحة من جانب القوة الكبرى.


وخلال حديثه هذا الأسبوع، قال وزير الشؤون الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، إن «عدم قابلية وجودنا للتجزئة تتغلغل في كل جوانب النشاط الإنساني، وقد تعمقت مع تقدم العولمة. والحقيقة الآن أن الحرب في أي مكان تهدد السلام في كل مكان».


وفي تصريحات أدلى بها في الدوحة الأسبوع الماضي، سلط توم باراك، مبعوث دونالد ترامب إلى تركيا ومستشاره الأوسع نطاقًا لشؤون الشرق الأوسط، الضوء على هذه الروابط، معترفًا بأن الحرب على إيران التي شنها ترامب وإسرائيل في أواخر فبراير أحدثت تداعيات غير متوقعة، وحولت «نيران المخيمات إلى حرائق غابات».


وشبّه باراك الشرق الأوسط بمكعب روبيك، حيث يمكن لحركة واحدة أن تؤثر دون قصد في الصورة بأكملها، قائلًا إن تعديل أي عنصر في المنطقة يؤدي إلى تغير كل شيء، وإن العواقب غير المقصودة والتتابع المتسارع للأحداث جاءا على نحو لم يكن متوقعًا.


واعترف باراك بأن التدخل الأمريكي بدأ بمحاولة القيام بشيء مع الحلفاء في إيران، لكنه امتد إلى حماس وحزب الله وستة فصائل مسلحة إيرانية والحوثيين، قبل أن يصل الآن إلى شمال أفريقيا، متسائلًا عن النقطة التي سيتوقف عندها هذا التصعيد، وعن مدى إسهام التدخل الأمريكي في تحسين الأوضاع أو زيادة تدهورها.


ورغم أنه لم يخرج عن نهج ترامب، فقد أجاب باراك عن تساؤله بوضوح، مشيرًا إلى أن 23 تغييرًا للنظم الحاكمة شهدتها منطقة الشرق الأوسط الأوسع وبلاد الشام، بطرق مختلفة وبمبادرة أو تأثير أمريكي، دون أن يحقق أي منها النجاح. وأضاف أن التدخلات الأمريكية الرامية إلى تغيير الأشخاص أو الأنظمة بدت، في كل مرة، وكأنها خطأ، مستشهدًا بالعراق وليبيا وأفغانستان، مع تجنبه الإشارة إلى إيران.

 


 تحولات جذرية وفشل الحرب على إيران


يرى وينتور أن من السهل إلقاء اللوم على التدخل المفرط وفشل التعددية الدولية في تفسير ما آلت إليه الأوضاع. وفي كتابه الجديد، يوضح خبير العلاقات الدولية الأمريكي تشارلز كوبتشان أن العالم يشهد تحولات تكتونية عميقة، إذ تتوزع القوة بسرعة داخل النظام الدولي، بما يؤدي إلى تراجع مركزية السياسة العالمية وتجدد التنافس بين القوى الكبرى.


وفي الوقت نفسه، يقوض التقدم في العصر الرقمي العقد الاجتماعي الذي ساد خلال العصر الصناعي، ويُحدث اضطرابات اجتماعية واقتصادية واسعة تؤثر في الحياة السياسية داخل الدول وفي علاقاتها بعضها ببعض. ويجادل كوبتشان بأن ترامب ليس سوى أحد أعراض اتجاه أوسع نطاقًا، تتسم به المنظومة الدولية ككل.


ومع ذلك، يصعب تجاهل أن الأضرار التخريبية التي يستطيع رئيس أمريكي متقلب ومغرور وعديم الاعتبارات الأخلاقية إلحاقها بالعالم المتشابك اليوم باتت أكبر بعشرة أضعاف، بحسب الكاتب، وهو ما يشهده العالم حاليًا؛ إذ تلتقي الفوضى الدولية مع اضطراب الشخصية.
 

وتظل الحرب على إيران، كما ألمح باراك، الخطأ الأكثر تأثيرًا والأكثر غموضًا في مسيرة ترامب، فيما تتردد أصداء تداعياتها في أنحاء العالم. ويقر وينتور بأن أي رئيس أمريكي كان سيضطر إلى التعامل مع الملف الإيراني، الذي يمثل بدوره نتاجًا لفشل النظام الدولي وعجز منظومة التعددية عن استيعاب إيران ودفعها نحو التغيير. غير أن الطريقة التي عالجت بها واشنطن هذا الملف تعود إلى ترامب نفسه وطبيعته النفسية.


واختصر عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، الأمر قائلًا إن الجميع كان بإمكانهم إدراك أن الحرب فكرة غبية، وإن شخصًا واحدًا فقط في العالم ظل يعمل على مدى 40 عامًا لدفع الولايات المتحدة إلى خوضها، وهو رئيس وزراء دولة أخرى، في إشارة إلى بنيامين نتنياهو، الذي وجد أخيرًا «الأحمق» المستعد لخوض هذه الحرب.


وفي حديثه أمام جمهور في كامبريدج هذا الأسبوع، ذكّر وزير الخارجية العُماني، الذي تولى الوساطة في المحادثات الأمريكية الإيرانية خلال فبراير، بأن التوصل إلى اتفاق بشأن القضية الأساسية، وهي البرنامج النووي الإيراني، كان وشيكًا قبل بدء القصف.


وعلى جميع الأصعدة، أخفقت الحرب إخفاقًا كارثيًا، فيما تتجاوز تداعياتها حدودها الأولية، لتدفع التضخم العالمي إلى 4%. وتحول مضيق هرمز، الذي ظل ممرًا مفتوحًا أمام حركة التجارة البحرية على مدى قرون، إلى ورقة ضغط إيرانية. وقبل أقل من أسبوعين على انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ارتفع سعر برميل خام برنت إلى 117 دولارًا، بزيادة قدرها 50% مقارنة بمستوياته قبل الحرب.


وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، القوة الاقتصادية الأبرز في الشرق الأوسط، بنسبة 3.3%، في تراجع حاد مقارنة بتوقعاته الصادرة في يوليو، التي رجحت نموه بنسبة 1.7%، أي بخفض قدره خمس نقاط مئوية.


ووفقًا لتحليل نشره موقع «هاوس أوف سعود»، صُممت خطة رؤية السعودية 2030 لتكون وسيلة تحوط من تقلبات أسعار النفط، لكنها استندت إلى افتراضات تتعلق ببقاء الممرات البحرية مفتوحة، واستمرار عمل المطارات، ووجود مظلة أمنية أمريكية تردع التهديدات العسكرية التي قد تستهدف البنية التحتية لصادرات المملكة. ويشير التحليل إلى أن جميع هذه الافتراضات انهارت منذ فبراير.


وفي 30 سبتمبر، اضطرت الحكومة السعودية إلى رفع توقعاتها لعجز موازنة عام 2026 إلى 65.3 مليار دولار، بزيادة قدرها 48% عن التقديرات الأولية.


ولم تؤدِ الحرب إلى جعل إيران أكثر استقرارًا أيضًا؛ إذ قُتل علي لاريجاني، الذي يصفه الكاتب بأنه أكثر الشخصيات الإيرانية حنكة استراتيجية، في اليوم الأول للحرب. كما أصبح المتشددون المحيطون بالمرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، أكثر رسوخًا في مواقعهم من أي وقت مضى. بل إن النقاش العام داخل إيران بات يميل، إن كان هناك اتجاه واضح، إلى إنهاء الفتوى التي تحظر امتلاك الأسلحة النووية.


وبغض النظر عن الملف النووي، دفعت مهاجمة الحرس الثوري الإيراني مرتين خلال المفاوضات إلى تعديل عقيدته الدفاعية، بما يسمح بشن ضربات استباقية لا تستهدف القواعد الأمريكية فحسب، بل تمتد إلى مناطق مختلفة حول العالم. وأقر رئيس أركان الدفاع البريطاني، توني راداكين، بأن الآخرين يستطيعون إلحاق الضرر ببلاده من مسافات بعيدة، دون أن يتطلب ذلك إنفاق ثروة طائلة.


ويضيف الكاتب أن التحركات الأمريكية الإسرائيلية في إيران اتسمت بالتخبط وغياب الالتزام بالقانون. فبنيامين نتنياهو، الذي كان يتطلع إلى مهاجمة إيران للمرة الثالثة خلال عامين، أراد تكليف الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد والأجهزة الأمنية بإسقاط النظام الإيراني، بينما انصب تركيز الولايات المتحدة على الأسلحة النووية.


وألحقت الفوضى ضررًا بالغًا بشعبية ترامب داخل الولايات المتحدة. غير أن دين أتشيسون، وزير الخارجية في عهد الرئيس هاري ترومان، أكد أن 80% من العمل في السياسة الخارجية يتمثل في إدارة القدرة الداخلية للدولة على اتباع سياسة معينة. كما قال هنري كيسنجر إن الاختبار الحاسم لأي سياسة يكمن في قدرتها على حشد الدعم الداخلي.


ويشير وينتور إلى أن السياسة الخارجية ينبغي أن تُصاغ بما يضمن كسب التأييد الشعبي، وهو ما لم يتحقق في هذه الحالة. ونتيجة لذلك، يشعر ترامب بأنه وقع في مأزق، ويدور حول حلول سبق أن أخفقت، ما يجعله أكثر حدة واندفاعًا في قراراته.


ووصف خبير استطلاعات الرأي الجمهوري كارل روف أداء ترامب بأنه بدا أقرب إلى مشجع يطلق صيحات الاستهجان في نزال للفنون القتالية المختلطة، لا إلى قائد أعلى للقوات المسلحة يطمئن شعبه في زمن الحرب. وحذر من أن تزايد الارتباك والانضباط المفقود في رسائل البيت الأبيض بشأن الحرب والاقتصاد يرفع المخاطر التي تواجه مرشحي الحزب الجمهوري.


وأمام تراجع أرقامه في استطلاعات الرأي، وغضبه من رفض إيران الخضوع، وعجزه عن انتقاد نفسه، حاول ترامب إلقاء مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة على ساحة حرب أخرى، عبر تحميل الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية مسؤولية الأزمة.


وأطلق ترامب العنان مجددًا لعدائه تجاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وهو العداء الذي أظهره للمرة الأولى في عام 2025، قبل أن تدفعه الضغوط الأوروبية والداخلية إلى التراجع عنه. لكنه عاد هذه المرة ليطالب زيلينسكي بالتنحي، واصفًا إياه بأنه العقبة الحقيقية أمام السلام، ومبشرًا بعهد جديد من التعاون التجاري بين الولايات المتحدة وروسيا.


غير أن عجز البيت الأبيض ظهر بوضوح حتى في هذه الخطوة؛ إذ أعلن ترامب أولًا عن هدنة للطاقة مدتها 60 يومًا، لم يوافق عليها زيلينسكي أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ثم اتضح أن الاتفاق المتعلق بالإفراج عن الديزل الروسي محدود للغاية، إلى درجة أن أي محلل جاد لم يتوقع أن يترك تأثيرًا ملموسًا على الأسعار داخل الولايات المتحدة.


كما قدمت الإدارة الأمريكية روايات متضاربة بشأن الأسباب التي أدت إلى حرمان القوات الأوكرانية فجأة من مستويات الوصول السابقة إلى النسخة العسكرية من نظام ستارلينك، الذي تملكه شركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك، وبشأن القواعد المنظمة لاستخدام هذه الأنظمة وما حدث بالفعل.


ورغم الإعلان عن التراجع عن القرار، ألقى بعض المسؤولين باللوم على ماسك، الملياردير مالك النظام، في تصرف فردي يوحي بأن شركة خاصة تستطيع تحديد طبيعة تعامل الولايات المتحدة مع حليف مفترض. في المقابل، قال آخرون، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، إن العقود كانت تفرض على ماسك الحصول على موافقة البيت الأبيض أو الجيش قبل اتخاذ أي إجراء. بينما أكد ماسك أن الأوكرانيين خالفوا شروط عقد ستارلينك باستخدام النظام في مهاجمة روسيا.


وكتب المؤلف الأوكراني إيليا بونومارينكو أن التاريخ شهد، بالطبع، فترات أشد ظلمة وفظاعة، لكنه لم يشهد، على ما يبدو، أوقاتًا بهذه الدرجة من الدناءة، وفوق كل شيء، بهذا القدر من الغباء.


وأتاح تدخل ترامب وتشابك الحربين، الإيرانية والأوكرانية، لروسيا فرصة التحرك، عبر اقتراح عقد قمة ثلاثية تجمع الصين وروسيا والولايات المتحدة، على هامش اجتماع مقرر بالفعل في مدينة شنتشن الصينية يوم 18 نوفمبر.


ولزيادة جاذبية المقترح بالنسبة إلى ترامب، أرسل بوتين وزير خارجيته المخضرم سيرجي لافروف إلى طهران في 19 أكتوبر، في أول زيارة له منذ اندلاع الحرب على إيران، لاستكشاف إمكانية إنهاء الصراع بشروط يستطيع ترامب قبولها.


وقال أمير تشاهكي، المحلل المتخصص في الشؤون الروسية، إن زيادة قدرة بوتين على إقناع طهران بالاقتراب من مطالب ترامب ستمنحه فرصة لانتزاع تنازلات أكبر من الرئيس الأمريكي بشأن أوكرانيا. ويتمثل الطموح الروسي في استغلال صعوبات ترامب لإنهاء الحربين، الأوكرانية والإيرانية، في صفقة واحدة وبشروط تميل إلى حد كبير لمصلحة موسكو.


ويتخذ ترامب خطوات تساعد بوتين، من بينها إنهاء عزلته الدولية، متجاوزًا اعتراضات بعض أعضاء حزبه، عبر دعوته إلى قمة مجموعة العشرين المقررة هذا الشتاء، والتي تستضيفها الولايات المتحدة في ملعب جولف يملكه ترامب خارج ميامي.


ويظل سبب ثقة ترامب الكبيرة في النوايا الحسنة لبوتين لغزًا يصعب على أحد فك شفرته. ويرى ديفيد فروم، كاتب الخطابات السابق للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، أن ذلك ربما يرتبط بتراجع قدرات ترامب؛ إذ كان أكثر وعيًا بطبيعته كمحتال عندما دخل عالم السياسة قبل عقد من الزمن، أما الآن فقد يكون تائهًا في عالم من الأوهام، لم يعد قادرًا فيه على التمييز بنفسه بين الحقيقة والكذب.

 


العالم يستفيق على مخاطر الارتهان لترامب


لكن لكل ذلك تداعيات بدأت تظهر بوضوح؛ إذ أخذت دول العالم تدرك، بوتيرة متسارعة، مخاطر استبعادها وإساءة التعامل معها من جانب الولايات المتحدة. وتقر وزيرة الخارجية الكندية السابقة، كريستيا فريلاند، بأن الوصول إلى هذا الإدراك استغرق وقتًا طويلًا.


وقالت فريلاند إن بعض القادة اعتقدوا أن بإمكانهم كسب ود ترامب، رغم إدراكهم لضعف تقديره للأمور، من خلال تقديم أرفع الجوائز إليه، أو إهدائه ساعة ذهبية مرصعة بالألماس، أو إغراقه بأكثر عبارات الإطراء مبالغة.


وعلى سبيل المثال، قدمت السعودية هدايا إلى ترامب، لكنها وجدت نفسها في المقابل مضطرة إلى التصدي بمفردها لهجمات الحوثيين، التي يؤكد دبلوماسيون كبار في الأمم المتحدة أنها ترتبط بالكامل بجدول زمني يخدم المصالح الإيرانية.


وكانت محاولة ترامب تحميل أوكرانيا، التي يصفها الكاتب بأنها بريئة إلى حد كبير، مسؤولية إخفاقه في إيران، إلى جانب محاولاته الربط بين الحربين، ذات تأثير مدمر داخل أوروبا. فقد أصيب قادة القارة بالذهول إزاء اتساع الهوة بينهم وبين ترامب بشأن روسيا.


فبينما ترى أوروبا في روسيا تهديدًا وجوديًا، ينظر إليها ترامب باعتبارها فرصة تجارية. والأخطر أن خطابه المؤيد لموسكو يهدد بقاء التيار السياسي الوسطي داخل بلاده، لأنه يغذي الرواية الشعبوية التي تصور التكلفة الباهظة لدعم أوكرانيا باعتبارها سببًا في تدهور الأوضاع المعيشية وجعل الحياة أكثر صعوبة.


ودفعت موجة الدعاية المكثفة بشأن «السلام مع روسيا» المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى التصريح بأن أكبر مخاوفه في الوقت الراهن لا تتعلق بالاقتصاد الألماني أو الولايات المتحدة أو الصين، بل بتأثير روسيا في المجتمع الألماني.


ويرى الكاتب أن قادة أوروبا، من منطلق حماية مصالحهم، لم يعد أمامهم خيار سوى التعبير صراحة عن خلافاتهم مع ترامب. ونتيجة لذلك، اضطروا إلى تحميل الحرب على إيران مسؤولية الضغوط التي تتعرض لها مستويات المعيشة، ودعوة المحتجين إلى توجيه انتقاداتهم إلى واشنطن بدلًا منهم.


وفي هذا السياق، أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمشروعية غضب المحتجين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، موضحًا أن العاملين يرتبطان بالصراع الذي اندلع في الخليج العربي، والذي لم تشارك فيه فرنسا، لكنها تتحمل تداعياته.


كما أقر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، أمام البرلمان، بأن أسعار الوقود باتت باهظة للغاية بالنسبة إلى المواطنين العاديين، لكنه أوضح أن المسؤول عن ذلك ليس هو، بل دونالد ترامب، الذي يحظى بتأييد المعارضة البولندية.


أما التداعيات الأخرى، فتتعلق بتدخل ماسك في إدارة «سبيس إكس»، وهو ما جعل أوروبا أكثر إدراكًا لضرورة حسم نقاشها بشأن السيادة الرقمية، والانتقال إلى وضع قواعد تنظيمية تحد من اعتمادها المستقبلي على التكنولوجيا الأمريكية.


وتتوقع فريلاند أن تفكر الدول مليًا قبل شراء مزيد من مقاتلات «إف-35» التي يتحكم فيها البنتاجون، متسائلة عن جدوى اقتناء طائرة تظل الولايات المتحدة صاحبة السيطرة عليها.


وفي مايو، اقترحت المفوضية الأوروبية تخصيص 70% من نطاق الترددات البالغ 2 جيجاهرتز، الذي يتيح للهواتف الذكية الاتصال بالأقمار الصناعية مباشرة، للشركات الأوروبية، بما يحد من قدرة شركات مثل «ستارلينك» على الوصول إليه. وأبدت شركات «دويتشه تيليكوم» و«أورانج» و«فودافون» و«تيليفونيكا» استعدادها للمنافسة على هذه الحصة، ما أثار احتجاجات دبلوماسية أمريكية.


واتهم وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي ماسك بأنه يحفر قبره بيديه في أوروبا، متسائلًا عن سبب اعتقاد ملياردير تريليوني الثروة، مدمن الكيتامين والمرتبط بقوى أجنبية، أنه يستحق امتيازات تنظيمية وتصاريح لاستخدام الترددات.


وبالمثل، بدأت بعض القوى في الشرق الأوسط تدرك حجم التهديد الذي يشكله النظام الأمريكي على سيادتها، في ظل انحيازه المستمر إلى أولويات إسرائيل.


ولا تزال هذه التحولات في بدايتها، لكن دعوة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي هذا الأسبوع إلى إبرام اتفاق أمني خليجي يشمل إيران قد تشكل لحظة فارقة تضاهي سقوط جدار برلين. وتحمل هذه الدعوة ضمنًا رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد بالضرورة الضامن الأمني لدول الخليج.


ورغم أن دول الخليج تنظر إلى إيران بريبة شديدة، يقر البوسعيدي بأن مقترحه يبدو مخالفًا للمنطق السائد. لكن فريقه يلخص الفكرة بالقول إن الحروب قد تندلع أحيانًا دون تخطيط، بينما لا يتحقق السلام إلا بجهود مقصودة.


وفي كل الأحوال، يرى وينتور أنه في وقت فقد فيه الناس ثقتهم بقدرة مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية على حل الأزمات، تبرز أهمية أن تثبت الأطراف المؤمنة بفاعلية العمل الجماعي والدبلوماسية جدية التزامها بهما.


وبعد ثلاثة أعوام من الفوضى والحروب، بات لزامًا على هذه الأطراف أن تستعيد زمام المبادرة من دعاة الهدم والتخريب.

 

https://www.theguardian.com/us-news/2026/oct/31/as-trump-fans-the-flames-of-a-world-on-fire-can-diplomacy-take-back-control